الذكاء الاصطناعي والتعليم.. جوهر الإنعتاق من أَسر الزمكانية

د. كاظم مؤنسالجمعة, 3 يوليو, 2026 - 1:20 م آخر تحديث :
د. كاظم مؤنس

أن التطورات المتسارعة في ميدان التكنولوجيا باتت من أهم التحديات التي تحظى باستقطاب اهتمامات العالم من حولنا، ولعل أبرزها يتمثل بالتساؤلات المتعلقة بطبيعة العلاقة بين الإنسان والذكاء الآلي المعروف بمسمى الذكاء الاصطناعي، الذي يشتمل على مجمل التقنيات الرامية إلى محاكاة قدرات الذكاء البشري، خصوصا فيما يتعلق، بإمكاناته على الاستدلال  والتعلم  الذاتي، ومع تحولات وتداعيات الثورة الصناعية الرابعة على المجتمعات كافة سيكون من المتوقع تزايد الاعتماد على توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وبالذات في مجالات التعليم، حيث تُعد الجامعات من أهم المراكز التنويرية في حضارات الأمم في جميع بلدان العالم، فهي مؤسسات تنويرية ومراكز علمية ومعرفية متقدمة ترفد الإنسانية بالمفكرين والأدباء والعلماء والقادة في جميع مجالات وميادين وحقول العلم، لذا حين نأتي على ذكرها فأننا نتذكر بالضرورة علماءنا ومفكرينا، وهذا ما يرتقي بالجامعات التي تعد من أفضل الأدوات المنتجة لعلماء الإنسانية وبناة حضارتها، والطالب واحد من أهم مخرجاتها العلمية، فهي المختبر الجوهري لمجمل التمخضات والتحديات الأولى التي تفضي إلى تشكيل الوعي وصناعة المعرفة لدى الطالب، فتجعله مسؤولا عن تطوير شخصيته وقدراته ومهاراته، وتدفع به ليكون طليعيا في رؤيته الشمولية، مؤهلا  لمعالجة القضايا المجتمعية على وفق فلسفة وعقيدة راكزة، متنامية، وغير سكونية، ولا متحجرة، ليأخذ بدوره بأيدي الآخرين نحو الاستخدام الناجح لتقنيات التكنولوجيا وتحدياتها الجديدة، وأن يؤهل نفسه لاستدامتها ومعرفة توظيفها في عمليات التعليم وابرز مظاهر هذا الاهتمام يتمثل باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ومع التطور التكنولوجي الهائل الذي ترافق مع التطور الإلكتروني وما شهدته الألفية الثالثة من تقدم واتساع في استخدامات الكومبيوتر  والميديا وتطبيقات الذكاء التي وصلت إلى مختلف جوانب الحياة المعاصرة، وباتت تكتسح القديم والمتراكم، ثم أصبحت في متناول الجميع، كان أن يكون للجامعات والمدارس والتعليم حصتها، إن لم نقل الحصة الأكبرفي هذا المجال، فهناك الكثير من المعارف النوعية الفاعلة في مجالات عدة، قد أنسحبت بشكل متسارع على إخلاقيات  التعليم و أساليب التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، مما أسس مسالك لتوغل ما نصطلح على تسميته بالذكاء الإصطناعي، الذي بات يبشر بمرحلة مستقبلية قادمة، بنيتها التحتية ستكون بالضرورة بنية رقمية وستكون القاعات مزودة بكومبيوترات فائقة السرعة، تستجيب لمتطلبات التكنولوجيا الجديدة، وهو أمر بالغ الصعوبة لعدد غير قليل من البلدان العربية، إذ ثمة العديد من التحديات ذات الصلة بواقع متطلبات التعليم وعلى مستويات مختلفة، وبالمقابل تتزايد الحاجة إلى تطبيقات الذكاء الأصطناعي، خصوصا في الظروف غير الطبيعية كما حدث مع تفشي جائحة كورونا ومتحولاتها، الأمر الذي يقتضي المزيد من المهارات التي ينبغي أن تتوفر لدى أعضاء هيئة التدريس لتواكب متطلبات واقع الحال في الوقت الحاضر. ولايخفى على أحد من أن هناك بعض النقاط المبشرة من حيث إنخفاض كلفة الأجهزة وسرعة الاتصالات وإتساع استخدامها وتوفر شبكات الأنترنيت وتحسن الأداء ومضاعفة سرعته، بقي أن يهيء المستخدم في المؤسسات العربية نفسه لتقبل التحولات الجدية التي ستحل بشكل أو بآخر مكان الطرق التقليدية في التعلم وسيجد نفسه في خضم هذه الثورة الآخذة بالتنامي.

 

 

 

 

 

لقد أضحى استخدام الذكاء الاصطناعي شائعا  في مجالات عديدة من حياتنا اليومية، وتحولت تطبيقاته من مجرد أداة مساعدة إلى أداة فاعلة، وتشير التوقعات إلى أن الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي آخذة بالارتفاع المطرد  خصوصا في حقول التعليم، ربما لأنه  أكد فاعليته وتأثيره، خاصة مع بروز التطورات المذهلة في هذا المجال المدعمة بظهور العديد من نظريات التعلم المعاصرة.

 

 

 

 

 

و لامناص من الاعتراف بأن ثمة مشكلات عديدة قد تصاحب عمليات التحول في التعليم، فالصورة العميقة والمتجذرة عن التعليم التقليدي، ما زالت تطارد جميع المؤسسات التعليمية في مختلف بلدان العالم، مع أن تطورا مطردا يتحايث معها، تولده تكنولوجيا العالم الرقمي، وتقانة الذكاء الأصطناعي التي باتت تقترب من تمثل السلوك الإنساني، وبالمنظور القريب سنجدنا قد تركنا وراءنا المفاهيم والنظم التي اسرتنا لعقود طويلة،  وهو الأنعتاق الذي سيحقق واقع دراسي يغني تجارب الطالب، ويساعده على بناء وتحقيق مقاصده العلمية والدراسية، وهو امر بات من المسلمات، فتقانات الذكاء الأصطناعي وتطبيقاته في التعليم قد بانت ملامحها في مجالات علمية عديدة كحقول الطب و الهندسة والتعليم والعسكرية وفي غيرها من مجالات حياتنا المعاصرة. ويرى الآن يونيه في كتابه الشهير "الذكاء الاصطناعي الطموح والأداء" بان من أهم مرامي الذكاء الاصطناعي ، يتمثل في فهم ماهية ذكاء الأفراد من خلال إنتاج برامج، لها  القدرة الكافية على محاكاة السلوك الإنساني فيما يتعلق بحل قضية ما، أو التوصل إلى إتخاذ قرار ما، في موقف ما. وإن من يعي تداعيات الثورة الصناعية الرابعة، يؤمن بأن الطريق لخلق تعليم مغاير لا يتوقف عند حدود التغيير، بل يقتضي نقل الثورة إلى كل مجالات التربية والتعليم كونها المسار الأكثر وضوحا وفاعلية، فهي المفتاح لهذه الغايات، لذا فمن البديهي القول أن الأمر يقتضي نوعا من التخطيط والتعاطي الثوري، وأن أبرز مظاهره اليوم يتمثل كما قلنا باستخدامات الذكاء الاصطناعي، وتحسين بيئة التعليم، وتطوير أنظمته، لزجها في رحم عالم الذكاء الاصطناعي الذي وجد طريقه إلى أنظمة التعليم، فعزز الكثير من عملياتها وإدارة برامجها، كما عزز من وسائط التواصل مع الطلبة القريب منهم والبعيد على حد سواء. أن إرتدادات الثورة الصناعية الرابعة قد أحدثت تغيرات جسيمة في بيئة التعليم على مستويات مختلفة، فقدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة العقل البشري، وتفاعلاته في التعلم، والاستدلال على استنتاج المعلومات تجعله، قادرا على تقديم المساعدات اللازمة في مواجهة المشاكل وحلها ، مع إمكانية وصوله إلى أشكال معرفية جديدة بسهولة. وأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم تمنحنا فرصة التناغم مع البيئة والعالم من حولنا، هذا العالم الذي تتعاضم فيه المشكلات والتعقيدات، عالم العصر الرقمي و الذكاء الاصطناعي " فالتكنولوجيا الثورية تتطور اليوم باستمرار وكذلك الطرائق التي يتعلم بها الطلاب والنظريات الجديدة في مجال التربية والتعليم.

 

 

 

وتأسيسا على ذلك فمن الطبيعي أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تغيير في ذهن وإدراك الطلبة، ومن هذا المنطلق من المتوقع أن يجد الطالب وسيلته وأسلوبه في الإبداع والأبتكار والأستكشاف في عمليات التعلم والتفاعل، وهذه من أهم الخصائص التي سيكون الطالب في أمس الحاجة إليها في المجتمعات الإفتراضية، كونها من اساسيات التعليم المستقبلي على حد تعبير ألفين توفلر في كتابه الشهير تحول" السلطة نحو المعرفة ...".

 

 

 

لأن ذلك يستدعي فهم وإستيعاب الذكاء الاصطناعي لمواجهة تحديات العصر الحالي. وقد أيقظت جائحة كورونا العالم من سباته، إذ أدت إلى تحول جذري في مجال التعليم حين أجبرت جميع المؤسسات التعليمية على الاعتماد على تكنولوجيا التعلم الأفتراضي، " واليوم 86% من الأساتذة يرون بأن التكنولوجيا يجب أن تكون جزءا أساسيا من التعليم، ولأن الذكاء الاصطناعي يتمتع بكل الإمكانات اللازمة التي تساعد قطاع التعليم على التطور، وتشير الدراسات بأن ما يزيد على 47% من أدوات إدارة العملية التعليمية ستدار بقدرات الذكاء الاصطناعي في السنوات الثلاث  المقبلة، لأن استخدامات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ستتيح للطالب إمكانية الوصول إلى التعليم والإنعتاق من حواجز الزمكانية.

 

 

 

- الـدكـتـور كـاظـم مـؤنـس

 

- الجامعة الأهلية - مملكة البحرين

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.